إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
464
الإعتصام
وإما أن يعمل هذا الحديث مع الأحاديث الأول - على فرض العمل به - ونقول إن ما تقدم من الأخبار عامة وهذا يفيد الخصوص كما تفيده أو يفيد معنى يفهم منه الخصوص وهو الإشراب في أعلى المراتب مسوقا مساق التبغيض لقوله وإنه سيخرج في أمتي أقوام إلى آخره فدل أن ثم أقواما أخر لا تتجارى بهم تلك الأهواء على ما قال بل هي أدنى من ذلك وقد لا تتجارى بهم ذلك وهذا التفسير بحسب ما أعطاه الموضع وتمام المسألة قد مر في الباب الثاني والحمد لله لكن على وجه لا يكون في الأحاديث كلها تخصيص وبالله التوفيق . المسألة الخامسة والعشرون : أنه جاء في بعض روايات الحديث أعظمها فتنة الذين يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام ويحرمون الحلال فجعل أعظم تلك الفرق فتنة على الأمة أهل القياس ولا كل قياس بل القياس على غير أصل فإن أهل القياس متفقون على أنه على غير أصل لا يصح وإنما يكون على أصل من كتاب أو سنة صحيحة أو إجماع معتبر فإذا لم يكن للقياس أصل - وهو القياس الفاسد - فهو الذي لا يصح أن يوضع في الدين فإنه يؤدى إلى مخالفة الشرع وأن يصير الحلال بالشرع حراما بذلك القياس والحرام حلالا فإن الرأي من حيث هو رأى لا ينضبط إلى قانون شرعي إذا لم يكن له أصل شرعي فإن العقول تستحسن مالا يستحسن شرعا وتستقبح ما لا يستقبح شرعا . وإذا كان كذلك صار القياس على غير أصل فتنة على الناس ثم أخبر في الحديث أن المعلمين لهذا القياس أضر على الناس من سائل أهل الفرق وأشد فتنة وبيانه أن مذاهب أهل الأهواء قد اشتهرت الأحاديث التي تردها واستفاضت وأهل الأهواء مقموعون في الأمر الغالب عند الخاصة والعامة بخلاف الفتيا فإن أدلتها من الكتاب والسنة لا يعرفها إلا الافراد ولا يميز ضعيفها من قويها إلا الخاصة وقد ينتصب للفتيا والقضاء ممن يخالفها كثير وقد جاء مثل معناه محفوظا من حديث ابن مسعود أنه قال ليس عام إلا والذي بعده شر منه لا أقول عام أمطر من عام ولا عام أخصب من عام ولا أمير خير من أمير . ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم فيهدم الإسلام ويثلم .